أول وكالة أنباء خاصة تنطلق بترخيص من وزارة الثقافة والاعلام بالمملكة العربية السعودية ...
NEWS AGENCY
وكـــالة بـــث للأنبـــــاء
تقارير و تحقيقات
أبحاث و دراسات
حوارات
معرض الصور
’’الغاوتشو‘‘ الأرجنتينيّ وإرثه الثقافيّ الأندلسيّ
Jun 27, 2017 at Macca 12:23
   
طباعة
    Save on Facebook




مجدي أن أعيش حرّاً بالمطلق
مثل عصفورٍ في السماء،
لا أبني عشّاً في هذه الأرض،
حيث هناك الكثير من الآلام”

خوزيه هرنانديز – مارتين فييرو

هذه الأبيات الأربعة تختصر تجربة ألمٍ إنسانيّ عميق يتجاوز صداه المكان والزمان؛ وقد أنشدها مارتين فييرو، بطل القصيدة / الروائيّة التي وقّعها الأرجنتينيّ خوزيه هرنانديز في العام 1872؛ وقد صدرت في جزءٍ ثانٍ في العام 1879. ويخلِّد عنوانها اسم بطلها الغاوتشيّ الممجِّد للحرّية التي افتقدها في تلكم الأرض المليئة بالقهر والآلام، وعَثر عليها في أعالي الفضاء.

تنتمي القصيدة إلى الأدب الغاوتشيّ الذي نشأ في الأرجنتين، كتعبيرٍ عن الكفاح من أجل الاستقلال المُعلن في العام 1816 وجسَّد بدايةً لميثاقٍ اجتماعيّ، دافع عنه الشاعر المدينيّ المثقّف، مُستعيراً صوت الغاوتشيّ المضطَّهد، وواصفاً قساوة حياته، والظلم الذي يتعرّض له، وذلك في إطار الظروف التاريخيّة، والسياسيّة، والأقتصاديّة، التي تُحاصر تلك الفئات المهمَّشة والمُضطَّهدة في سهوب لابامبا الشاسعة، التي كان وجودها في مراحل الاستعمار الأولى، ثمرة التهجين العرقيّ بين الجنود الموريسكيّين، الأندلسيّين منهم والبرتغاليّين، الفارّين من الجنديّة (كما بين الموريسكيّين المُهاجرين لاشرعيّاً إلى المكان) نتيجة الظلم وسوء المُعامَلة، وبين الهنديّات، وبالتالي الإسبانيّات وبعض الأفريقيّات: بعدما زال خطر المُجابَهة مع الهنود، انتشر الغاوتشو في جنوب البرازيل، وبدءاً من وِديان التشيلي حتّى مروج كاليفورنيا والمكسيك ، مروراً بالأوروغواي، بسهول الأورينوكو في كولومبيا وفنزويلا، حيث عُرفوا بـ"الهواسو"، السهليّين والفرسان.
كان الأدب الغوتشي مقتصراً على الشعر، وذا مضمونٍ سياسي – اجتماعي أكثر من واضح، وهو في جزءٍ منه، اعتراضٌ على سياسة الرئيس دومينغو سارمينتو، الذي كان يريد إجبار الغاوتشيّين على القتال ضدّ الهنود سكّان الأرض الأصليّين. لقد توهّجت في بانوراما ذلك الأدب في القرن التاسع عشر أسماء عديدة مثل بارتولوميه، هيدالغو والشاعر المنفيّ هيلاريو إسكاسوي، لكنّ أشهر ما أنتجه ذلك المَدار الإبداعي، كان قصيدة “مارتين فييرو” التي كان صداها عجيباً في زمنها، وأعيد بعد صدورها إدماج الغاوتشي في مجتمع وطنه؛ بعد أن ينسلخ فييرو عن عائلته الصغيرة، ليلتحق مجبراً بصفوف الجيش المُقاتل للهنود، ويكون وقود الحرب، يعود إلى كوخه الذي رحلت عنه عائلته إلى حيث لا يدري، ويقتل بالتالي زنجيّاً، ويتحوّل إلى شخصٍ خارجٍ عن القانون ويفرّ برفقة الرقيب كروز المتعاطف معه إلى الصحراء، ليعيش وحيداً، بعيداً عن القهر والعنف و"الحضارة".
تُرجمت القصيدة التي تدين الاضطّهاد السياسي للإنسان وترسُّخ الظلم الاجتماعي، إلى سبعين لغة، ما عدا اللّغة العربية، وأعادت الدار الجامعية طبعها في العاصمة الأرجنتينية بوينوس إيريس في العام 1962، فباعت مئة وسبعين ألف نسخة في غضون ثلاثة أشهر فقط، وحُوِّلت بالتالي إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية، وما زالت تُعتبر الكِتاب القومي للأرجنتين، كما ارتأى ذلك ليوبولدو لوغونيس (1874-1938)، وهو أحد أبرز الباحثين في كينونة الروح الغاوتشية وتأثّرها بإرث الثقافة الأندلسية.
في تلك القصيدة الشهيرة، نتعرّف إلى مارتين فييرو، الفارس الوحيد الذي يستحضر وجوده بقوّة، ذكرى الموريسكي الفارس، وراعي الماشية في بالنثيا وأشبيلية، وناقل الكثير من سمات الثقافة الأندلسية إلى العالَم الجديد، ومجذّرها فيه. إنّ فييرو هو النموذج الأوّلي للغاوتشي الأسمر، الهزيل البُنية والمُلتحي الذي يعيش متآلفاً مع وحدة سهوب البامبا، عازفاً على قيثاره ومغنّياً الموشّحات الشعبية الحزينة، التي تُترجِم وحدته وآلامه. في البامبا، كان يُشاهَد دائماً راكباً حصانه، صديقه الوحيد، والعربية زينته، أصلاً، اسماً وشكلاً.
في القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، استأثرت شخصيّة الغاوتشي باهتمام الباحثين البارزين، المُجمعين على أصلها العربي – الإسلامي الأندلسي، بدءاً من النشأة والتسمية، ووصولاً إلى المعتقدات الدينية ومُمارَسة التقاليد الإسلامية، طريقة لباسه، ركوبه الفرس وسرجها.
أ- وهنا ليس ضروريّاً أن نذكّر بفرار الجنود من الجندية، إنّما نضيف أنّ آلافاً من الموريسكيّين المُهاجرين من البرتغال إلى البرازيل ما بين عامَي 1580-1585 أو1609 (تاريخ طردهم النهائي من وطنهم)، طُردوا أيضاً من البرازيل، لأنّهم مسيحيّون زائفون، فلجأوا إلى الشمال وانضمّوا في الأرجنتين إلى الجنود الأوائل المتمرّدين.
كان العذاب والقهر، والانسلاخ عن الجذور، والخوف من مُلاحَقة السلطة ومَحاكِم التفتيش، والقلق من المصير المجهول، والتشرّد من مكانٍ إلى أخر، من أهمّ الأسباب التي كانت في أصل نشأة الغاوتشي:  التسمية كما يذكر الباحث الأرجنتيني الفرنسي الأصل إميليو ديرو (1843-1916) هي تحريف مشوّه لكلمة CHAUCH التي تعني راعي القطيع، والتي ما زالت مُستعمَلة في إشبيلية وبالنثيا حتّى اليوم.

ب- يوضِح البروفسور شمس الدين إيليا أنّ التوحيد كان العقيدة الدينية للغاوتشي، وهو أوّل أركان الدّين الإسلامي، وقد تحوّل الغاوتشيّون تدريجاً إلى المسيحية، وظلّوا على الرّغم من ذلك محافظين على مزايا الإسلام وأخلاقيّته، وعلى تقاليدهم الموروثة: كان وجود الجبّ ضرورة في بيت الغاوتشي، لآنه يجسّد فعل التوضؤ المتكرِّر قبل الصلاة.
ت- يذكر فيديريكو توبال (1840-1898) أنّ الفرق بين لباس الموريسكي والغاوتشي بسيط جدّاً، لا يشكِّل خاصيّة مميّزة، فالسروال الفضفاض، والعباءة، والسترة، والنطاق، هي خاصيّات موريسكيّة غاوتشيّة. ويرى لوغونيس أنّ ما هو أكثر موريّة في ملابس الغاوتشو، هي سراويل الحقل وحزام الخصر الذي يخفي الخنجر عن الأعيُن، والذي كان يتزيّن به موريّون من مرسية وبالنثيا.
وإلى هذه التشابهات اللّافتة، أشار الكاتِب اللّبناني المُميَّز، الأمير أمين إرسلان، الديبلوماسي اللّبناني الذي استقرّ في الأرجنتين، ولاحظ سهولة تماثُل العرب في تلك الأرض، بعدما عاشوا ثمانية قرون في إسبانيا، حافظوا خلالها على ملابس أجدادهم وزينتهم، الذين غزت سلالاتهم أميركا الجنوبية.
ث- يشكِّل الغاوتشي مع الحصان وحدة متكاملة في سهوب البامبا. ويورِد لوغونيس أنّه لا يُمكن أن نراه راجلاً، وهو الذي نقل إلى العالَم الجديد تقليد الفروسيّة الذي أدخلته قبيلة بني مرين البربريّة إلى إسبانيا.
والغاوتشي فارس بامتياز، وطريقة سرجه الحصان، كما زينته، هما تقليدٌ موريسكيّ: إنّ حزام خصره العريض مصنوعٌ من جلد السَّختيان، وهو ملوّن ومطعَّم بالعاج؛ وهذه زينة موريسكيّة ما زالت تُشاهَد في البامبا، فضلاً عن التطريز والترصيع اللّذَين كانا يزيّنان عادةً سرج الغاوتشو في المناطق الجبليّة.
نستنج ممّا سبق، أنّ بعض الباحثين يُبرهن على الأصل الإسلاميّ الأندلسيّ للغاوتشي، وبعضهم الآخر يُشير إلى الخلفيّة التاريخية العربية لذلك الأصل. والأمير أمين إرسلان ليس الوحيد الذي يرتأي ذلك، فالأبحاث المتعلّقة بهذا الموضوع عديدة، نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر؛ ففضلاً عن مانواليتو أورنياس، موقِّع كِتاب “الغاوتشيّ والبدويّ"، يَذكر شمس الدّين إيليا، أنّ تجنّب الغاوتشي مُلاحَقة السلطات له، لم يكُن السبب الوحيد الذي دعاه إلى حياة الترحال، وأنّه يجب أن نأخذ بعَين الاعتبار، أصل البداوة العربية لأجداده.
وبدوره، يوضِح حامد أمير فرانكو أنّ الخاصيّات الذاتية للغاوتشي، تتأتّى في جزء كبير منها، من الإرث الثقافي العربي الأندلسي، فهو الفارس البارع والبدوي الراحل، القوي العزيمة، وكان يسترجع في حياته عادات عربية أندلسية، وذلك في موسيقاه، وفي طريقة ركوبه الفرس وتوجيه سيرها.
أمّا الفنزويلية لولولا هرنانديز، فتؤكّد في العام 2014، أنّ هيئة ساكن السهل الفنزويلي والغاوتشي الأرجنتيني، تبدو صورة مُطابِقة لهيئة الفارس العربي، وفق ما يوصَف به في الأدب الإسباني ذاته.
والغاوتشي الإسلامي – الأندلسي – العربي الأصل، الذي يثير اهتمام الباحثين منذ القرن الثامن عشر وحتّى يومنا هذا، ما زال وجهاً مألوفاً في سهوب لابامبا، وقرى الداخل الأرجنتيني، حيث يعيش مُمارِساً تقاليده القديمة، على الرّغم من أنّه تحضّر بما فيه الكفاية، وهو يعمل في الأرض ويرعى القطيع مرتدياً ثيابه التقليدية: مازال وجوده كذلك يوحي بالحبّ والاحترام؛ وقد اعتبر خوزيه روخاس، أنّ تمرّده على القهر السياسي وثورته على الظلم الاجتماعي، تأويلٌ لتاريخ الأرجنتين. كما أصدر كارلوس البيرتو ديل بين، في أونكيو في مقاطعة قرطبة، مجلّة تختصّ أبحاثها بكينونته، وعنوانها “هويّة قوميّة وثقافة غاوتشيّة”.
ويبقى أن نقول في الختام، إنّ الكتابة أو القراءة عن قصيدة مارتين فييرو، تستحضر بقوّة في البال ذكرى غجر لوركا، أبطال ديوانه الخالد “قصائد غجريّة”.

• المصدر : مؤسسة الفكر العربي - د. ناديا ظافر شعبان / روائيّة وكاتبة من لبنان


المزيد
خدماتنا
المال والأعمال
الأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية
إجراء الدراسات والاستبيانات
إعداد الملاحق الصحفية والإصدارات الخاصة
إعداد التقارير: يومية، أسبوعية، شهرية
إصدار مجلة " بث " الشهرية
خدمة جوال " بث" الإخباري
من نحن
|
إتصل بنا
|
أعلن معنا
|
الإشتراكات
|
الانتاج التلفزيوني ، وانتاج المحتوى

Copyright © 2013 - 2015 Beth All Rights Reserved

This website was Designed & Developed by: exotox.com

ترخيص : و ب 1618 وزارة الثقافة والإعلام – المملكة العربية السعودية