أول وكالة أنباء خاصة تنطلق بترخيص من وزارة الثقافة والاعلام بالمملكة العربية السعودية ...
NEWS AGENCY
وكـــالة بـــث للأنبـــــاء
تقارير و تحقيقات
أبحاث و دراسات
حوارات
معرض الصور
هذا التونسيّ الذي فازَ بجائزة الملك فيصل
Feb 05, 2018 at Macca 23:46
   
طباعة
    Save on Facebook




لم يكُن الوسط الأكاديميّ التونسيّ قد فرغ بعد من تبادُل التهاني عقِب حصول اثنَين من روّاده تِباعاً، هُما حمّادي صمّود ومحمود طرشونة، على جائزة سلطان بن علي العويس الثقافيّة وجائزة الشيخ حمد للترجمة، حتّى زفَّ إلينا شكري المبخوت خبر تتويجه، عن جملة مؤلّفاته النقديّة في السيرة الذاتيّة، بجائزة الملك فيصل العالميّة في اللّغة العربيّة والأدب لعام 2018.

• هكذا كتبت أميرة غنيم - الكاتبة ولأكاديميّة التونسية* .. 

“والحقّ أنّه كانَ لفَوز المبخوت بالجائزة المَرموقة وقعٌ استثنائيّ على الساحة الثقافيّة التونسيّة التي تلقّت الخبر بفرحٍ لا يخلو من دهشةٍ وإعجاب. فإلى جانب قلّة عهدنا في عموم البلاد العربيّة بتتويج أصحاب القَلم بجوائز مهمّة في مراحل مبكّرة من مسيرتهم الإبداعيّة أو الأكاديميّة، والرجل، كما هو معروف، محسوبٌ على الجيل الجديد في الجامعة التونسيّة، فإنّ فَوزه المستحقّ بجائزة الملك فيصل، يُعَدّ تتويجه العالميّ الثاني في أقلّ من ثلاث سنوات. وهو العربيّ الوحيد الذي توِّج، على حدّ عِلمي، بجائزتَين عالميّتَين، إحداهما على مُنجزه في النقد والأخرى على مُنجزه الإبداعيّ.  فقد فاز المبخوت في منتصف 2015 بالجائزة العالميّة للرواية العربيّة (البوكر) عن روايته البكر “الطلياني"، وها هو يُعقبها في نسقٍ مثيرٍ للإعجاب بجائزة في النقد أكثر منها جزالة من الجهة الماليّة، فاتحاً بذلك نافذة جديدة من الأمل لأجيالٍ من طَلَبة الآداب في الجامعة التونسيّة كان قد ركّزَ في وهمهم، جرّاء التضييق على تمويلات مَخابر البحث في الجامعة وتقتير ميزانيّة الدولة على رزق المدرّس الجامعيّ، أنّ الاشتغال بالإنسانيّات عموماً وبالآداب خصوصاً، تجارةٌ خاسرة وجهدٌ ضائع، واستثمارٌ للذكاء في صحراءٍ ليس فيها إلّا البرق الخلّب.
في أيّامٍ معدودة، أضحى شكري المبخوت في عيون جيلي والجيل اللّاحق من طَلبتي في الإنسانيّات مجسّماً حيّاً لرجل الآداب الذي صنعَ بقلمه مجده الشخصيّ وخطّ بنفسه قصّة نجاحه معوِّلاً على كفاءة عقله وحدها، وعلى موهبته الأصيلة في الكتابة نقداً وإبداعاً. وليس هذا بالأمر المألوف في مجتمعٍ تعوّد أن يرى قصص النجاح تُرفع على أعمدة الولاءات السياسيّة المُفضية إلى المناصب القياديّة في الدولة، أو تُبنى على أسس موهبة الجسد وفنيّات أعضائه، كما عند نجوم الكرة، أو نجوم الغناء أو السينما.
فمِن الصدق أن نعترف أنّنا نفتقر اليوم في تونس إلى نجومٍ في الفكر، وذلك على الرّغم من أنّ الأفذاذ في جامعاتنا كُثرٌ، وعُلماءنا نخبة متميّزة أثْرَت المكتبة العربيّة بمؤلّفاتٍ عالية الجودة سيحفظها، بلا شكّ، تاريخ الإنسانيّة. بيد أنّ معظم هؤلاء مغمورون في العالَم، على جلال قدرهم، لا يكاد يعرفهم إلّا أهل اختصاصهم الضيّق ولا يعترف لهم بالفضل إلّا المخلصون من طلبتهم. وكذا الأمر مع مُبدعينا شعراً ونثراً، فما أحسن ما يكتبون وما أقلّ ما يُشكرون. أمّا ما يحدث اليوم مع شُكري المبخوت، فاستثنائيّ بكلّ المقاييس، لأنّ فيه تكذيباً جميلاً للمُعادَلة التقليديّة التي تجعل من النجاح والشهرة نتيجةً لعمليّة حسابيّة كسريّة بسطُها المُبدِع ومقامها قيمة عمله.
أثبَت شكري المبخوت في سنواتٍ قليلة إمكانيّة أن يكون لنا في تونس نجومٌ في الفكر أيضاً، نجومٌ لا يُتحدّث عنهم في البرامج الوثائقيّة التاريخيّة، بل يتحدّثون عن أنفسهم ويُتحدَّث عنهم في نشرات الأنباء الوطنيّة والعالميّة؛ بل إنّه كان الكاتِب التونسيّ والمغاربيّ الوحيد الذي تصنّفه صحيفة “نيويورك تايمز” من ضمن الكتّاب الخمسة العرب الجديرين بالمُتابعة.
ولا شكّ في أنّه قد قيل للمبخوت مراراً، دعابة ومزحاً أو غيرة وأشباهها، إنّ له من اسمه نصيبَ الأسدِ في بخته. غير أنّ مَن يعرف الرجل عن قرب، يعلم علمَ اليقين أنّ البخت من العوارض الزائلة، وأنّ وراء النجاح الباهر عملاً غزيراً وجُهداً مُسترسلاً وأنّ وراءه أيضاً إنساناً أُعطيَ فضائل ومَواهب جمّة، وفي سيرة هذا الإنسان تكتبُ هذه الشهادة.

الروائيّ الكبير منذ الولادة

عرفتُ شكري المبخوت منذ أكثر من عقدٍ ونصف أستاذاً لامعاً في دار المعلّمين العليا في تونس وفي كليّة الآداب والفنون والإنسانيّات في منّوبة،أستاذاً ضارباً بتقاليد “التجهّم الأكاديميّ” عرض الحائط، مقبلاً على طَلَبته بوجهه الحقيقيّ خلواً من مساحيق الجدّية الزائفة وعارياً من أقنعة الصرامة المُصطَنعة. يجود بعلمه الغزير في سخاء معرفيّ وإنسانيّ متميّز، طَلِق المحيّا داخل القسم وخارجه، قريب العبارة تنصاع إليه دونما كدّ أو تصنّع، دافئ التلقائيّة وصادق العفويّة. وهي الصفات عينها التي تجدها في كتاباته الإبداعيّة.
عرفتُه أيضاً باحثاً ألمعيّاً موسوعيّ الثقافة دقيق الاختصاص. بدأ حياته الأكاديميّة متخصّصاً في النقد الأدبيّ، فكتب “جماليّة الألفة” و"سيرة الغائب سيرة الآتي"، ثمّ سرعان ما أدركه شوقه الأبديّ إلى المركب الصعب، فتحوّل إلى اختصاص اللّسانيّات واختار لأطروحته الجامعيّة موضوعاً على مقاس استعداده الدّائم للرفض والمُناقَشة والمُجاوَزة: “إنشاء النفي وشروطه النحويّة والدلاليّة”. ثمّ توالَت بعد ذلك بحوثه العلميّة الرائدة في نسَقٍ مُنتظَم وبخصوبةٍ فريدة: “توجيه النفي"، “المعنى المحال"، “الاستدلال البلاغيّ"، “دائرة الأعمال اللّغويّة"، “نظريّة الأعمال اللّغويّة"، مع ترجماتٍ مُحكمة فرديّة أو بالاشتراك مع آخرين: “الشعريّة” لتودوروف، و"المُعجَم الموسوعيّ للتداوليّة” لموشلير وربول، و"دليل المؤلّف وكاتِب السيناريو” لدوفو.. حتّى إذا استوثقَ الباحث الجامعيّ من أنّه أبدع في مجال اختصاصه وبرَز، ناداه مجدّداً شوقه إلى المجاهل البِكر، فالتفتَ إلى الرواية وكانت “الطلياني” التي أعلنت، من خلال الجوائز التي حصدتها حالَ ظهورها للناس، عن روائيّ وُلدَ منذ البدء كبيراً، ورافق انضمامَه إلى الساحةِ الإبداعيّة صخبٌ لافتٌ. ولئن لم تلقَ “باغندا” روايته الثانية الحظوة الإعلاميّة التي لاقتها “الطليانيّ"، فقد شابَهت سابقتها في أنّها صالَحت الفرنكوفيّين في العالَم العربيّ مع الرواية المكتوبة بالعربيّة، فقد حافظ فيها المبخوت على نهجه المميَّز في كتابة نصّ يشبه كاتبه من جهة تعفّفه عن الأبراج العاجيّة واختياره الوضوح والبساطة أسلوباً ومذهباً، ويُشاكله في وعيه العميق بالمعيش التونسيّ وانفتاحه على التجارب الإنسانيّة الثريّة. ولم تكُن مجموعته القصصيّة “السيّدة الرئيسة” بحكاياها التونسيّة اللّذيذة، إلّا تأكيداً لتمكُّن المُبدِع من تقنيّات الكتابة السرديّة في الأجناس الوجيزة، وفرصةً أخرى لطرح قضايا اجتماعيّة حارِقة في تونس ما بعد “ثورة يناير” 2011.
وفي الوقتِ الذي تمتصّ فيه المسؤوليّةُ الإداريّة الباحثَ الأكاديميّ، فيَجفّ مِداده، وتضمُرُ دفاتره، ويضيعُ تركيزه، ويزداد انتشارُ الغبارِ على رفوف مَكتبتِه، بقدر ما يكون من ترقّيه في السلّم الوظيفيّ، ظلّ شكري المبخوت مُحافظاً على لياقته الفكريّة وعنفوان قلمه، على الرّغم من اضطّلاعه على التوالي بعِمادة كليّة الآداب ورئاسة جامعة منّوبة وإدارة معرض تونس الدوليّ للكتاب. فقد أصدر خلال هذه الفترة من حياته أغلبَ أعماله، مستدلّاً على أنّ الكتابة قدرٌ لا ينفعُ معه خدرُ الكرسيّ الوثير.

نجومٌ تونسيّة في الفكر أيضاً…

كانَ “الزعيم وظلاله: السيرة الذاتيّة في تونس” (2017) و"أحفاد سارق النار: في السيرة الذاتيّة الفكريّة” (2016) آخر ما أخرجه شكري المبخوت للناس قبل تتويجه بالجائزة. أمّا “سيرة الغائب، سيرة الآتي: السيرة الذاتيّة في كتاب الأيّام لطه حسين” (1992)، فقد كان مؤلّفه النقديّ البِكر. وأن تسند جائزة الملك فيصل لهذه الكُتب الثلاثة التي يفصل بين أوّلها وآخرها ما يزيد على العقدَين ونصف العقد من الزمان، لهُو اعترافٌ بفضل مسيرة ناقدٍ وُلد كبيراً أيضاً؛ فقد دشّن بحوثه الأكاديميّة في أوّل شبابه بعمل تأسيسيّ في السيرة الذاتيّة أدرك اليومَ طبعته الثالثة وأضحى مرجعاً أساسيّاً في المكتبة العربيّة. ثمّ لم يُنسه انشغالُه بالبحث التداوليّ والبلاغيّ وتحليل الخطاب، على امتداد سنوات طويلة من التأليف العلميّ في المَجال اللّسانيّ، حنينَه الأوّل إلى متون أدب السيرة، بل أرجعه إليها أصلبَ عوداً وأمتنَ أداةً، إذ زوّده بمفاهيم نقديّة مُبتكَرة وفّرها له تكوينه العميق في اللّسانيّات، فكان"سارق النار” ينقل قبس المعرفة في مهارة وسلاسة وتمكّنٍ من النظريّات اللّسانيّة العرفانيّة تارّة، ومن النظريّات التداوليّة تارّة أخرى، ليضيء بها مداخل جديدة في النقد الأدبيّ لم يطرقها أحد قبله.
ومثلما راهَنا لمبخوت في رواية “الطلياني” على عبق الأجواء التونسيّة، فقد راهَن أيضاً في “الزعيم وظلاله” على البُعد المحليّ التونسيّ، من خلال عمل موسوعيّ ضخمٍ قامَ على جَرْد المدوّنة السرديّة التونسيّة من ثلاثينيّات القرن الماضي إلى اليوم، بحثاً عمّا سمّاه “الفضاء السيرذاتيّ” في المشهد التونسيّ، وهو ما جعل كِتابه الأخير كرنفالاً بديعاً ميّز فيه السّيَر الأدبيّة من السّير السياسيّة، مُبرِزاً مكانة الزعيم الحبيب بورقيبة في حديقة السرد التونسيّ، وراصداً وجوه التفاعل في كتابة الذّات بين الفرديّ والجماعيّ، وبين التاريخيّ والتخييليّ، وبين المحلّي الخصوصيّ والمُشترَك العربيّ والإنسانيّ.

الآتي أجمل

تعبرُ السفينة التونسيّة اليوم بحراً متلاطمة أمواجه مجهولة شواطئه. فالوضع الاقتصاديّ في تونس تجاوَز مرحلة الهشاشة إلى مرحلة التآكل، والاحتجاجات الاجتماعيّة المُتعالية من هنا وهناك، تهدِّد بانفجاراتٍ غير مأمونة العواقب. في ظلّ هذه القتامة، تضيءُ شمعة المُبدع التونسيّ حاملة معها أملاً عنيداً: ما زلنا هنا صامدين، متقدّمين بثباتٍ وإصرار وعزيمة لا تخور، نردّد في ثقةٍ الحِكمةَ التي يؤمِن بها شكري المبخوت ويستدلّ عليها مع كلّ تتويجٍ جديد: الآتي أجمل.

* مؤسسة الفكر العربي


المزيد
خدماتنا
المال والأعمال
الأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية
إجراء الدراسات والاستبيانات
إعداد الملاحق الصحفية والإصدارات الخاصة
إعداد التقارير: يومية، أسبوعية، شهرية
إصدار مجلة " بث " الشهرية
خدمة جوال " بث" الإخباري
من نحن
|
إتصل بنا
|
أعلن معنا
|
الإشتراكات
|
الانتاج التلفزيوني ، وانتاج المحتوى

Copyright © 2013 - 2015 Beth All Rights Reserved

This website was Designed & Developed by: exotox.com

ترخيص : و ب 1618 وزارة الثقافة والإعلام – المملكة العربية السعودية