أول وكالة أنباء خاصة تنطلق بترخيص من وزارة الثقافة والاعلام بالمملكة العربية السعودية ...
NEWS AGENCY
وكـــالة بـــث للأنبـــــاء
تقارير و تحقيقات
أبحاث و دراسات
حوارات
معرض الصور
النَّزعة الإنسانيّة .. الجذور والمنطلقات
Jan 19, 2017 at Macca 14:40
   
طباعة
    Save on Facebook

.........................................

تمثِّل النزعة الإنسانيّة (الأنْسَنَة) اتجاهاً فكرياً عامّاً تشترك فيه العديد من المذاهب الفلسفيّة والأدبيّة والأخلاقيّة والعلميّة. ولقد ظهرت هذه النزعة بوضوح، واكتمل نضجها الفكري في عصر النهضة. كما أنّها تمثِّل مذهباً فلسفيّاً أدبيّاً ماديّاً يوكّد على فرديّة الإنسان، وتيّاراً ثقافيّاً أيضاً ازدهر في أوروبا، وينظر إلى العالَم بالتركيز على أهمّية الإنسان ومكانته في الكون.

تعود جذور النَّزعة الإنسانية إلى الفكر الفلسفي اليوناني القديم. فإذا رجعنا إلى تلك البدايات نجد أن “طاليس” و"اكسينوفان" كانا أوّل الإنسانيّين اليونانيّين. وكان “بروتاجوراس” كذلك أحد السفسطائيين الذي أكّد في مقولته الشهيرة أنّ “الإنسان هو مقياس الأشياء”. ولقد تطوّرت تلك النزعة و بلغت أوج نضجها الفكري في عصر النهضة، وركّزت على الإنسان وتحريره من ربقة العصور الوسطى وأغلالها وقيودها، وسيطرة الكنيسة، والانطلاق بالإنسان إلى آفاق رحبة تنطلق منها قدراته وإبداعاته وينطلق منها عقله. فالنزعة الإنسانية ليست نسقاً فلسفياً جامداً محدوداً، ولا هي بتعاليم مغلقة على نفسها، بل هي حوار دائم شهد وجهات نظر مختلفة ولا يزال . ومع ذلك تظلّ النزعة الإنسانية تعبيراً عن وجهة نظر شخصية، مركزها ونقطة انطلاقها الإنسان. أمّا إذا رجعنا إلى الأصل اللغوي ونشأة مصطلح (الإنسانية) (Humanism) فنجد أنّ معاني هذا المصطلح قد تعدّدت وتنوّعت. حيث تشير البدايات الأولى لنشأة هذا المصطلح إلى أنّ أوّل من استخدمه هو المؤرّخ الألماني وعالِم اللّغة “جورج فويت” عام 1856، وذلك لوصف الحرَكة التي ازدهرت لإحياء التعليم الكلاسيكي أثناء فترة عصر النهضة في أوروبا من أجل إحياء التعاليم الكلاسيكية في النهضة الأوروبية. ويجب أن نشير إلى أنّ كلمة إنساني (Humanist) مشتقَّة من المصطلح الإيطالي (Umonist) في القرن الخامس عشر، والذي يعني المعلّم، أو الباحث العلمي في الأدب اليوناني. ثمّ راح مصطلح الإنسانية يشير من خلال الثورة الفرنسية، وبعدها بقليل في ألمانيا بفضل الهيجليّين اليساريّين، إلى الفلسفات والأخلاق التي ترتبط بالإنسان ذي الاهتمام بالمفاهيم الإلهية. ومع بداية الحركة الأخلاقية في ثلاثينيّات القرن العشرين أصبح مصطلح “الإنسانية” مرتبطاً بنحو متزايد بالفلسفة الطبيعية وبالعلمانية. وتعود الجذور العميقة لمصطلح “الهيومانيزم” إلى اليونان القديمة من خلال عبارة أو لفظة (Paella Enkiklio) التي تشير إلي التعليم المتوازن. وقد أخذت فكرة التعليم هذه طريقها إلى الرومان ، وكان التمكّن من فنون الخطابة هو السبيل إلى امتلاك النفوذ والقوّة، وكانت الكلمة اليونانية التي اختارها شيشرون لفكرة التعليم المتوازن هي كلمة “Humanities”.
ولا بدّ من الإشارة إلى ملاحظة مهمّة في سياق الحديث عن تأصيل مصطلح الإنسانية في الثقافة الغربية، وهي أنّ دخول هذا المصطلح إلى الثقافة العربية تمّ في القرن التاسع عشر بحسب ما تذكره الموسوعات و القواميس المختصّة. من هنا نرى أنّ مفهوم النزعة الإنسانية في ظهوره الأوّل ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالدعوة إلى إعادة بناء النُّظم التعليمية والتربوية، والعودة من ناحية أخرى إلى الآداب القديمة التي تقدِّم المثل الأعلى في السلوك والمعرفة. وتُعتبر أفكار عصر النهضة والمقولات الملازمة لها بمثابة ثورة ثقافية يُعاد فيها الاعتبار إلى كرامة الإنسان وحقوقه وأحقّيته في ممارسة التفكير والتنظير لنفسه ومصالحه انطلاقاً من ذاته وعقله. ولقد ارتبط ظهور “الأنْسَنَة” أو المذهب الإنساني عموماً بعصر الإصلاح الديني وعصر النهضة في أوروبا في القرنَين الخامس عشر والسادس عشر، حيث بدأ التحوّل في تلك الفترة من الدّين إلى العِلم، ومن الماضي إلى الحاضر والمستقبل. حيث نجد أنّ أهمّ ما ركّز عليه الإصلاح الديني، وخصوصاً مع لوثر في القرن السادس عشر، الاعتراف بدور العقل ومكانته في البحث الحرّ، وزعزعة الأستاذية العقائدية التي كانت تمارسها الكنيسة من دون الخروج النهائي عن الإطار الأنطولوجي العام للوحي. ونرى أنّ من أهمّ منطلقات النزعة الإنسانية هي مركزية الإنسان والانطلاق من معرفة الإنسان، كما أنّ موضوعها هو تقويم الإنسان وتقييمه واستبعاد كلّ ما من شانه أن يغرّبه عن ذاته، سواء بإخضاعه لقوى خارقة للطبيعة البشرية، أم بتشويهه من خلال استعماله استعمالاً دونياً دون الطبيعة البشرية. فهي نظرية أو نزعة ترفض كلّ أشكال الاغتراب والاضطهاد، وتطالب باحترام الكرامة الإنسانية و حتّى الأشخاص في أن يعاملوا كغايات في ذاتها. وهذا لا يعني أنّ النزعة الإنسانية في الفكر الغربي بألوانها وبتعبيراتها كافةّ هي خروج على الدين. وممّا لا شكّ فيه أنّ النزعة الإنسانية (الأنْسَنَة) شكّلت من خلال التنوير الأوروبي واحداً من أعمدة الحداثة الغربية، ولاسيّما أنّ الأنْسَنَة تُعطي أهمّية كبيرة للإنسان و عقله في التمييز وإدراك بناء الأحكام المعيارية، ومعناه أيضاً رفض كلّ أسبقية دينية أو ميتافيزيقية يمكنها أن تحدّ من إبداع الإنسان وفعاليّته في التاريخ. من هنا تمثّل النزعة الإنسانية قطيعة حاسمة مع كلّ نظرة لاهوتيّة قروسطيّة صادرت كيان الإنسان باسم الإيمان، وتمثّل في الوقت نفسه تأسيساً لفلسفة جديدة لرواية جديدة تجعل الإنسان في المركز من الوجود بعد أن كان من الوجود على هامشه.
الأنْسَنَة كما يقول علي حرب هي ثمرة عصر التنوير والانقلاب على الرواية اللاهوتية للعالَم والإنسان، أي ثمرة رؤية دنيوية ومحصّلة فلسفية علمانيّة ودهريّة. بهذا المعنى، فإنّ الأنْسَنَة هي الوجه الآخر للعلمَنة. فما أنجزته الحداثة الغربية هو كونها أحلّت سيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة محلّ الذات الإلهية وهيمنتها على العالَم، وذلك على عكس ما كان سائداً في القرون الوسطى، من خلال استقلالية الذّات البشرية وتحرير عقلها أو روحها. ولقد مرّت النزعة الإنسانية بمراحل تطوّر من أهمّها: إنسانية عصر النهضة؛ وفي هذه المرحلة يتجلّى بوضوح الاهتمام بالإنسان، حيث كان إنسانيّو عصر النهضة وحدهم الذين أدركوا أنّ العالَم القديم يشكّل حضارة مستقلّة. ومثلما أصبحت مركزية الإنسان هي السمة الأساسية في إنسانية عصر النهضة، ثمّة كذلك مرحلة إنسانية عصر التنوير، وهي عبارة عن جماعة من المثقّفين تكوّنت في مختلف بلدان أوروبا في القرن الثامن عشر، ربطتهم، على ما بينهم من خلافات، توجّهات مشتركة، تتمثّل في مشروع قائم على النزعة الإنسانية والعلمانية. وكانت باريس مركز تلك الحركة. أمّا إنسانية القرن التاسع عشر فهي إنسانية من أهمّ سماتها حدوث تطوّرات علمية مهمّة انعكست على خصائص النزعة الإنسانية، إذ تأكّدت قدرات العِلم على تحقيق التقدّم من خلال إعادة صياغة العالَم عن طريق تبنّي المشروعات الاقتصادية الجديدة. أمّا إنسانية القرن العشرين فقد شهدت تطوّرات مهمّة، بخاصّة في ما يتعلّق بنشأة علم الاجتماع والنفس. وبرزت الظاهرة الاجتماعية بوصفها بحثاً مستقلّاً له منهاجه وأدواته ومسائله من خلال عالِم الاجتماع “دوركهايم” .
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ المذهب الإنساني تعرّض لعددٍ من الانتقادات مثله مثل المذاهب الأخرى، منها أنّ تقدّم العلم لم يصحبه تقدّم في قدرة الإنسان على حسن استعمال العلم، وأنّ البشر جميعهم وجّهوا اهتمامهم إلى المسائل الدنيوية ونسوا كلّ ذلك وتركّزت مطامعهم في الأشياء الزائفة التي يَسّرها لهم العلم، وحدث من جرّاء ذلك صدع بين تقدّم الإنسان في المعرفة وتقدّمه الأخلاقي.
إنّ الإنسانية تؤكّد على زيادة خطر الإسراف في الاعتماد على الآلة؛ فهذا الإسراف قد يقضي على الأصالة و الابتكار، كما أنّ الأُسس الأخلاقية لا تصلح إلّا إذا استندت إلى الاعتقاد بوجود نظام أسمى من النّظام الدنيوي والإيمان بالمبادئ الخالدة المُطلقة. أمّا إذا اقتصرت الآداب على أن تكون خاضعة للمواءمة بين الإنسان وبيئته، كلّما تغيّرت الظروف وتبدّلت الأحوال، فإنّها بذلك تفقد قيمتها العامّة. كذلك رأى بعض نقّاد المذهب الإنساني أنّ هذا المذهب قدّم وعوداً للإنسانية لم يحقّقها، كما أنّه أفقد الناس الشعور بالحقائق الروحية وجعلهم عبيداً للقوى المادّية العمياء، وقد أرجع نقّاد المذهب الإنساني كذلك إخفاق عصبة الأمم في تسوية المشكلات في العلم وانتشار الفاشية والنازية وعيوب المدنيّة الغربية إلى ظهور المذهب الإنساني. وعلى الرّغم من هذه الانتقادات للمذهب الإنساني، فإنّ ذلك لا يُقلِّل من أهمّيته باعتباره مذهباً رَفَع الاهتمام بالإنسان، و جَعلَه مركز الكون بعد أن كان على الهامش في فترة العصور الوسطى.

• المصدر : مؤسسة الفكر العربي - د. عماد عبد الرازق / أستاذ فلسفة- جامعة بني سويف



أبحاث أخرى
خدماتنا
المال والأعمال
الأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية
إجراء الدراسات والاستبيانات
إعداد الملاحق الصحفية والإصدارات الخاصة
إعداد التقارير: يومية، أسبوعية، شهرية
إصدار مجلة " بث " الشهرية
خدمة جوال " بث" الإخباري
من نحن
|
إتصل بنا
|
أعلن معنا
|
الإشتراكات
|
الانتاج التلفزيوني ، وانتاج المحتوى

Copyright © 2013 - 2015 Beth All Rights Reserved

This website was Designed & Developed by: exotox.com

ترخيص : و ب 1618 وزارة الثقافة والإعلام – المملكة العربية السعودية