أول وكالة أنباء خاصة تنطلق بترخيص من وزارة الاعلام بالمملكة العربية السعودية ...
NEWS AGENCY
وكـــالة بـــث للأنبـــــاء
تقارير و تحقيقات
أبحاث و دراسات
حوارات
معرض الصور
مُنتدى تعزيز السِّلم في المجتمعات المُسلِمة
Jan 11, 2019 at Macca 14:21
   
طباعة
    Save on Facebook

بعدما تراجَعَ الحضور الثقافي لبيروت والقاهرة، ها هي أبو ظبي تُمسِك بالمشعل وتُتابع المَسيرة. لكنْ لهذه المَسيرة، التي لم يكُن بالإمكان توقّعها قبل نصف قرن، نكهتها الخاصّة وطابعها المُميَّز. فهي كالعطور الخليجيّة، قريبة جدّاً من الطبيعة وبسيطة التركيب مع عبْقٍ تُراثيّ جميل.
فقد جاء “منتدى تعزيز السِّلم في المجتمعات المُسلِمة"، في إطلالته الخامسة، تحت عنوان كبير هو: “حلف الفضول، فُرصة للسلم العالَميّ” . و تحت هذه القبّة تتالت الجلسات لتُعالِج المحاور الآتية: المواثيق والعهود في الإسلام، حلف الفضول راهِناً، عقود المُواطَنة الحديثة، الأديان والأزمات الإنسانيّة الرّاهِنة، التعدديّة الدينيّة والسِّلم الأهلي، الفقر والتفاوُت الاجتماعيّ، الدّين و التضامن العالَميّ ، المُنظّمات الدوليّة والدّين، الدّين والأمن العالَميّ، فضلاً عن ورشتَي عمل حول: العهود والمُواثيق والدولة الوطنيّة، التعدديّة ونماذج من التعايُش الوطني.
جاءت الموضوعات متنوّعة، محورها في الماضي كما في الحاضر، مع غلبة واضحة للعنصر الدّيني. عِلماً أنّ الغلبة – الرمزيّة - للهَمّ الديني إنّما تنبع من هذا الاعتراف غير المباشر بأنّ الدّين يقع في قلْب مُعادَلة غياب السِّلم المُجتمعي العربي والشرق أوسطي الرّاهن. لذلك أتى موضوع المُواطَنة مُوائِماً كالظلّ لموضوع الدّين في الهندسة العامّة للمنتدى. وكأنّي بالموضوع الثاني خشبة الخلاص الحقيقيّة للموضوع الأوّل المتربّع طوباويّاً على عرش المُنتدى.
في الجلسة الاولى حاول الحاخام روفين فايرستون أن يعرض بالإنكليزيّة وجهة نظر اليهود غير الصهاينة، فأشاد بالإسلام مُعتبِراً أنّ الدولة الإسلاميّة كانت دوماً مُسانِدة لليهود عبر التاريخ، على عكس الدولة المسيحيّة التي كانت دوماً مُضطّهِدة لليهود. ندَّد طبعاً بالدولة القوميّة في إسرائيل التي تضطَّهد الفلسطينيّين لكنّه ندَّد بعدها مباشرة بالعروبة، واضِعاً هذه الأخيرة على قدم مساواة مع الدولة القوميّة الصهيونيّة، مُتجاهِلاً – أو ربّما جاهِلاً – أنّ العروبة ليست مجرّد مشروع سياسي، بل نَهج حضاري يعود إلى ما قبل الإسلام ويتجاوَز الدولة القوميّة العربيّة الرّاهِنة التي قد تكون المُقابِل المُحتمَل للدولة القوميّة العبريّة في منظوره. لذلك جاء إسهامه الفكريّ ضحلاً.
في الجلسة نفسها تكلَّم بالعربيّة رضوان السيّد الذي، بذكائه المعهود، عرضَ وجهة نظر عقلانيّة هادئة تقول إنّ مشكلتنا في العالَم العربي المُعاصِر تقع في مهمّتَين لم ننجزهما بعد على نحو يسمح لنا بالانتماء إلى دائرة السِّلم المجتمعي المُستدام: الأولى هي ضرورة إنتاج سرديّة إسلاميّة جديدة – وهي مهمّة العُلماء – وإنجاح تجربة الدولة الوطنيّة في بلداننا. وقد استُقبِل كلامه بمُشاطَرةٍ واسعة لما جاء فيه.

حلف الفضول في رؤيةٍ راهِنة

جاءت مساهمتان نوعيّتان في الجلسة الثالثة لتَضعا النّقاط على الحروف؛ حيث أشار عبد الحسين شعبان إلى أنّ حلف الفضول، كوثيقة تاريخيّة إسلاميّة، وعلى الرّغم من الجهود المبذولة عربيّاً، لم تتمكَّن من التحوّل إلى وثيقة من الوثائق التي مهَّدت لشرعة حقوق الإنسان من وجهة نظر منظّمة الأُمم المتّحدة، بل اعتُبرت وثيقة قد تَدخل في عداد الوثائق الدّاعمة لفكرة حقوق الإنسان. غير أنّه شدَّد على ضرورة أن نتمسَّك بهذه الشرعة لكونها أوّلاً من إنتاجنا (عبر شارل مالك) وثانياً لمصلحتنا (حيث إنّ مَن دَعَمَ صدورها كان دُول العالَم الثالث في حينه، فيما صوَّتت ضدّها بريطانيا والولايات المتّحدة).
بدَوره، أكّد محمّد السمّاك أنّه، ومن منظور راهِن، علينا أن نتمسَّك بمضمون حِلف الفضول السِّلمي إلى أقصى الحدود، حيث تقضي مصلحة الدّين الإسلامي كما الدّين المسيحي بالانطلاق من الواقع الرّاهن. فالإسلام الذي كانت تقيم معظم جماهيره في العالَم العربي بات ثلث المؤمنين برسالته السماويّة يقطنون في العالَم العربي والثلثان الآخران يتوزّعان على القارّات الآسيويّة والأفريقيّة وأوروبا. وكذلك الحال بالنسبة إلى الديانة المسيحيّة التي يُقيم ثلث مؤمِنيها فقط في أوروبا، فيما يُقيم الثلثان الآخران في أميركا اللّاتينيّة وأفريقيا وبعض آسيا.

مُقارَبات فيها مُواجَهة

في الجلسة الرابعة أمسك علي راشد النعيمي الثور الأسود الهائج بقرنَيه وجمَّده أرضاً؛ إذ دخل مباشرة في الموضوع مُعتبراً أنّ مشكلتنا الرّاهنة تكمن في تعامل العُلماء مع مسألة الدولة الوطنيّة بخشيةٍ لا مُبرّر لها، حيث إنّهم يأتون على ذكر الدولة الوطنيّة بتخوّف مُعدٍ، ويتوجّسون من الموضوع وكأنّه مُعارِض أو مُناقِض للإسلام. رفضَ النعيمي هذا الأمر مُشيراً بوضوح إلى أنّ هذا يُضيِّع علينا فُرص المستقبل ويُبقينا في الماضي، خاتِماً كلامه بعبارة أعلن فيها أنّ الدولة الوطنيّة لم تعُد اليوم خَياراً، بل أصبحت واجباً.
كذلك فعل الشيخ محمّد أحمد حسين، مفتي فلسطين، الذي أشار إلى الوجه الآخر من العملة، مُعلِناً عن المأساة التي يعيشها الفلسطينيّون في دولة إسرائيل. فالمُسلمون يُمنعون من بلوغ المسجد الأقصى للصلاة، فيما أماكن العبادة المسيحيّة مطوَّقة ومُهدَّدة باستمرار. فكيف الكلام بعدها عن سلام والحال على هذا النحو؟

أشكال التضامن

من ناحيتها، قدَّمت الأخت جوان سارابونج، رئيسة تحالُف الكنائس الأندونيسيّة، في الجلسة الثامنة، تجربة محلّيّة لافِتة، تناولَت فيها مسألة التضامن، حيث إنّ هذا المفهوم السوسيولوجي قد عيش بشكلٍ مُبتكَر في أندونيسيا بعد عمليّات التطهير الديني التي راح ضحيّتها المسلمون الروهينغا في ميانمار. وأشارت إلى أنّ البوذيّين في ميانمار لجأوا خلال هذه الأحداث الوحشيّة والدامية إلى ما يقع في خانة التضامن التدميري، الإرادي والمتعمَّد. في المقابل، اعتمد البوذيّون الأندونيسيّون شكلاً آخر من التضامن، وصفته سارابونج بالتضامن البنّاء. وقد قام هذا التضامن على دخول البوذيّين الأندونيسيّين في مُبادرات ميدانيّة عمدوا خلالها إلى جمْع التبرّعات والمساعدات لمصلحة النازحين الروهينغا، على نحوٍ تضامنيّ مُعاكِس للنهج الذي كان قد اعتمده إخوانهم في الدّين في ميانمار. وهذا ما شكّل استنكاراً واضِحاً لما حصل من أعمالٍ دمويّة.
في كلام هذه الأخت الأندونيسيّة الهادىء أكثر من درس. هناك درس في عِلم الأديان، مفاده أنْ لا خَيمة فوق رأس الأديان، فهي في الأصل مؤسّسات اجتماعيّة كما نبّه إلى ذلك قبل قرنٍ من الزمن إميل دوركهايم، أي أنّ رعاياها و حتّى مسؤوليها يحملون في وعيهم، على نحو غير مُدرَك، كلّ أشكال الوعي الصحيح والمغلوط التي تسود مُجتمعاتهم . فمَن كان يتوقّع من أتباع الديانة البوذيّة، وهي ديانة سمحاء، أن يلجأ أتباعها في ميانمار إلى هذه الوحشيّة المُفرطة؟
أما الدرس الثاني فهو في السوسيولوجيا، حيث إنّها قدَّمت للعِلم تفسيرا جديداً لمفهوم التضامن الاجتماعي، مُعتمدةً على ملاحظة عِلميّة للواقع الحياتي الميداني في ما يشبه الدراسة المُقارِنة.

وجهةُ نَظَر برّانيّة

خلال جلسة الغداء التي جمعت ما يقرب من خمسمائة شخص في اليوم الأخير من المُنتدى، تبادَلنا الحديث على المائدة، فبادرتُ إلى توجيه سؤالٍ تقييمي لزملائي الضيوف: ما رأيكم بهذا المُنتدى في المحصّلة العامّة؟ مع عِلمي المهني أنّ الكلام المُباشر وغير الموضَّب يفوش في جلسات استرخاء كهذه.
أجمعت الآراء على أنّ ما قدَّمه هذا اللّقاء ضروري ومفيد ولكنّه غير كاف. بمعنى أنّ كلام الدُعاة، من الأديان كافّة، كان كثيراً، ومعروفاً مُسبقاً من الجميع. أمّا الإسهامات الفكريّة الجديدة فكانت قليلة؛ ما يُشير إلى أنّ الخطاب غلب على التحليل.
أمّا أنا، فقد فرحتُ لسماعي هذه التعليقات النوعيّة لسببَين: الأوّل هو أنّني أشاطرها مع ضيوف مثلي تعرّفت إليهم بالصدفة؛ والثاني أنّ هذا المُنتدى – الخامس في مجاله – تمكَّن من جمْع جمهورٍ نبيه وواعد.
أمّا السبب الثالث لفرحي فهو أنّني أرى خلف كلّ ذلك بزوغ ثقافة عربيّة جديدة في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة تقوم على مُواءَمة خلاّقة تجمع بين موروثات الماضي ومُستجدّات الحاضر.

• المصدر : مؤسسة الفكر العربي - د. فردريك معتوق / مفكّر اجتماعي لبناني


أبحاث أخرى
خدماتنا
المال والأعمال
الأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية
إجراء الدراسات والاستبيانات
إعداد الملاحق الصحفية والإصدارات الخاصة
إعداد التقارير: يومية، أسبوعية، شهرية
إصدار مجلة " بث " الشهرية
خدمة جوال " بث" الإخباري
من نحن
|
إتصل بنا
|
أعلن معنا
|
الإشتراكات
|
الانتاج التلفزيوني ، وانتاج المحتوى

Copyright © 2013 - 2015 Beth All Rights Reserved

This website was Designed & Developed by: exotox.com

ترخيص : و ب 1618 وزارة الإعلام – المملكة العربية السعودية