أول وكالة أنباء خاصة تنطلق بترخيص من وزارة الاعلام بالمملكة العربية السعودية ...
NEWS AGENCY
وكـــالة بـــث للأنبـــــاء
تقارير و تحقيقات
أبحاث و دراسات
حوارات
معرض الصور
اللّاجئون في السودان
Mar 12, 2018 at Macca 16:25
   
طباعة
    Save on Facebook

حسام الدين صالح *

“للسودان تاريخٌ راسخٌ على صعيد حُسن ضيافة اللّاجئين وطالِبي اللّجوء"كما تُقرّبذلك المفوّضية السامية للأُمم المتّحدة لشؤون اللّاجئين في تقاريرها، وما زال الواقع في السّودان يؤكّد تقرير المفوّضية عن الدَّور التّاريخيّ للسودان في استضافة اللّاجئين.فالسودان،حكومةً وشعباً، ظلّ يستقبل الآلاف المتزايدة من اللّاجئين منذ ستّينيّات القرن الماضي، على الرّغم من تقلّب أوضاعه الاقتصاديّة، إلى أن وصل عدد اللّاجئين فيه إلى مليونَيْ لاجئ قدِمُوا من دُول الجوار الأفريقيّ كأثيوبيا، وأرتريا، والصومال، وتشاد، وأفريقيا الوسطى، وجنوب السودان…

هناك أيضاً نسبة كبيرة من القادِمين من دُول الشّرق الأوسط التي تأثّرت بحالة الفوضى بعد اندلاع ثورات الربيع العربيّ كسوريا واليمن. وبحسب معتمد شؤون اللّاجئين في السودان، فإنّ أعداد اللّاجئين في البلاد وصلت إلى مليونَيْ لاجئ منهم مليون و300 ألف من دولة جنوب السودان، وما يفوق 100 ألف لاجئ من سوريا.
كان عدد اللّاجئين السّودانيّين المُصدَّرين إلى العالَم يفوق عدد اللّاجئين الأجانب الوافدين إلى السودان. فبحسب إحصائيّة البنك الدولي المُستقاة من مفوّضية الأُمم المتّحدة السامية لشؤون اللّاجئين، كان عدد اللّاجئين الذين يصِّدرهم السودان إلى بقيّة دول العالَم حوالى 650 ألفاً في العام 2015 مقابل نحو 421 ألف لاجئٍ أجنبيّ يستقبلهم السودان؛ لكنّ هذه الإحصائيّة في ما يبدو تغيّرت لمصلحة اللّاجئين القادِمين إلى السودان بسبب موجات الهجرة والنّزوح من جنوب السودان ومن سوريا وبسبب عودة آلاف اللّاجئين السودانيّين من تشاد. وبذلك يُصبح السودان دولة مُصدِّرة للّاجئين، مستقبِلة لهم، وكذلك وسيطة، حيث يتّخذها كثيرٌ من اللّاجئين دولة مَمَرّ ومحطّة عبور لأوروبا عن طريق الهجرة غير الشرعيّة.

قد تختلف نوايا اللّاجئين في اختيار السّودان كوجهة للهجرة واللّجوء، لكنّ رغبتهم حياله تتوحّد في اعتباره الوجهة الأمثل لتحقيق أغراضهم من الهجرة؛ فمنهم مَن يبقى لاجئاً، ومنهم مَن يندمج في المجتمع المحليّ، فيما يُخاطر البعض بالهجرة غير الشرعيّة.

خطابات مُواطَنة في أوضاعٍ صعبة

الخطاب الحكوميّ يرحّب باللّاجئين، مع أنّ الفقر الذي يعيش فيه السودان يصبح عائقاً أمام استقرارهم. غير أنّ الفقر لم يَمنع هؤلاء اللّاجئين كلّهم من اختيار السودان كوجهة أمثل للشعور بالأمان، بحيث تُفاقِم الأوضاع الاقتصاديّة من مُعاناتهم، كما تزيد من مسؤوليّات الحكومة المحليّة والمنظّمات الدوليّة والتطّوعيّة.

على الرّغم من أنّ السّودان دولة جاذبة للّاجئين، إلّا أنّ أوضاع هؤلاء فيها ليست على ما يُرام. لذا تصف ممثلّة المفوّض السامي للأُمم المتّحدة لشؤون اللّاجئين في السودان نوريكو يوشيدا أوضاع اللّاجئين في السودان بـ(المُقلِقة) وتقول إنّ احتياجاتهم مختلفة ومتعدّدة بحسب المُعسكرات التي يقطنون فيها، وإنّ التنوّع يُحتِّم على الحكومات والمنظّمات التنويع في الحلول لتحسين الخدمات.

كمثالٍ على حُسن ضيافة السودان، حكومةً ومجتمعاً، للّاجئين، يُعامَل اللّاجئون السوريّون في السودان معاملةَ المُواطنين، مثلما كان لاجِئو جنوب السودان يُعامَلون كمواطنين أيضاً، قبل أن ترفع الحكومة السودانيّة عنهم هذه الميزة التفضيليّة.

كان مصطفى الحلبيّ، الشاب الأربعينيّ الذي التقيتُه في إحدى المُدن التركيّة، ينظر إلى السودان كخيارٍ أخير للقاء أسرته المكوّنة من أمّه وأبيه؛ تُقيم أسرة مصطفى في إحدى الدول العربيّة التي لا يستطيع الوصول إليها بسهولة بسبب صعوبة إجراءات التأشيرة التي لا يشتَرِطها السودان من السورييّن لدخول أراضيه.

كثيرون مثل مصطفى، لم يُمثّل لهم السودان نقطة التقاء فحسب، بل مكاناً أخيراً يُمارسون فيه حياتهم التي باتت مُستحيلة في أوطانهم، حيث ما زال السودان يرحِّب باللّاجئين السوريّين ويُعاملهم مُعاملة الضيوف ابتداءً من دخولهم البلاد، مروراً باستقرارهم ومُزاولتهم العمل أو التعليم أو تلقّيهم العِلاج. المُعاملة التفضيليّة التي يمنحُها السودان للّاجئين السوريّين جذَبت الآلاف منهم للاستقرار في السودان، على الرّغم من تراجع الأوضاع الاقتصاديّة منذ انفصال جنوب السودان عن شماله في العام 2011.

يستفيد اللّاجئون السوريّون من الخطاب الإيجابيّ للحكومة السودانيّة تجاههم، إلّا أنّهم يظلّون مَحرومين من الدّعم الدوليّ بسبب هذا الخطاب الإيجابيّ نفسه. فمسألة تصنيفهم كمُواطنين لا كلاجئين تمنع عنهم الاعتراف الدّوليّ المُوجِب لمُساعدتهم بناءً على توصيفهم كلاجئين. ولقد نجح كثيرٌ منهم في الاندماج بالمجتمع المحليّ السودانيّ، حيث استوعبهم سوق العمل، واستطاع بعضهم تأسيس أعمال تجاريّة خاصّة في مجالات المَطاعم والأثاثات وصيانة السيّارات، في حين تعثّر كثيرون بسوء أحوالهم الاقتصاديّة وتدّني المستوى المعيشيّ والغلاء في السّودان، ما اضطَّر بعضهم لمُمارَسة التّسول في شوارع عددٍ من المُدن السودانيّة الرئيسة كالخرطوم ومدني.

أيّ دَور للإعلام في تحفيز خطابات الكراهية ؟

يخلق واقعُ وجودِ اللّاجئين بعددٍ ضخمٍ في السّودان تحدّياً كبيراً على الحكومة والسّكان المحليّين على حدّ سواء، ولاسيّما في العاصمة الخرطوم، حيث تُعَدّ الخرطوم المدينة السودانيّة الأكثر جذباً للسكّان المحليّين للإقامة فيها بغية الاستفادة من الخدمات التي تشحّ في باقي مُدن السودان. وهذا هو السبب الجاذِب نفسه الذي يدفع أعداداً من اللّاجئين إلى تفضيل الإقامة في الخرطوم. هذا الواقع الجديد ولَّد إحساساً بالقلق لدى الحكومة والسّكان المحلييّن، حاولت الحكومة مُعالَجته بإخراج مُعسكرات اللّاجئين المُتمركِزة حول الخرطوم إلى مُدن أخرى، ومنْع دخول أيّ لاجئين جُدد إلى العاصمة أو أطرافها، كما حاولت الاستفادة من بَرامج الأُمم المتّحدة التي تستهدف دعْم المجتمعات المُضيفة للّاجئين، لخلْق توازنٍ اجتماعيّ واقتصاديّ في المناطق التي يتواجد فيها اللّاجئون بكثرة.

خطاب السّودان الإيجابيّ تجاه اللّاجئين لم يَمنع بروز خطابات سلبيّة أخرى ناقمة على اللّاجئين، فلا يُمكن إنكار حدوث توتّر بين اللّاجئين والمُضيفين خلّفه الوضع الجديد للمهجّرين في السّودان، وخصوصاً بعد إعلان الحكومة السودانيّة استقبال اللّاجئين من سوريا كمواطنين لا كلاجئين، وحصول الكثيرين منهم على الجنسيّة السودانيّة. يُمكن مُلاحظة هذا التوتّر في التدفّق الإخباريّ على شبكات التّواصل الاجتماعيّ ومُلاحَظة ردود أفعال رافِضة للوجود الأجنبيّ عبر مَوجة شائعات وأخبار مزيَّفة وخطابات كراهيّة حاولت التشكّل على هيئة حملات إعلاميّة على مَواقع التواصل الاجتماعيّ (تويتر، فيسبوك) وتطبيق “واتساب"، خاصّة بعد أن قرّرت الحكومة في السودان تسهيل حصول اللّاجئين السوريّين على الجنسيّة السودانيّة. إلّا أنّ هذه الحَملات فشلت في التحوّل إلى رأي عامّ يمثِّل المجتمع السودانيّ المعروف بسماحته وحُسن استقباله للّاجئين. في المقابل، حفَّزت هذه الخطابات السلبيّة تجاه اللّاجئين بعض هؤلاء على اتّخاذ ردود أفعالٍ إيجابيّة لمُعالجة التصوّرات السلبيّة الانطباعيّة عنهم؛ فقام عددٌ من اللّاجئين السورييّن في أبريل( نيسان) 2016 مثلاً بتنظيم حملةِ نظافةٍ وتجميل لشوارع العاصمة الخرطوم لاقت استحسان السّكان المحليّين.

يُمكن الجزم بتعثُّر حملات الكراهية ضد اللّاجئين في السودان وانحصارها في نِطاقٍ ضيّق على وسائل التواصل الاجتماعيّ، لكن لا يُمكن الجزم بمقدرة الخطاب الصحافيّ السودانيّ على الإسهام في الحدّ من انتشار نطاق الصّورة السلبيّة التي يحاول البعض دمغها باللّاجئين. فبحسب النتائج الأوّلية لدراسةٍ يقوم بها الكاتب لمعرفة تمثيل الخطاب الخبريّ للّاجئين في السودان في السنتَين الأخيرتَين، نجد أنّ الأخبار السَّالبة تكاد تُسيطر على مُجمل الأخبار الوارِدة عن الأجانب عموماً واللّاجئين خصوصاً؛ ويُمكن مُلاحظة جزء من هذا الخطاب، على سبيل المثال، في التراكيب اللّغوية والمفردات المُختارة التي عبّرت بها عناوين كُبريات الصّحف السّودانية عن الأحداث المرتبطة باللّاجئين. فتظهر في عناوين أخبار الأجانب واللّاجئين مُفردات (احتيال، تسوّل، خلايا، دجل وشعوذة، خطر، سرقة، توقيف، ضبط، إساءة، القبض، غير شرعيّ، سجون، تدفّقات، أيدز وكبد وبائيّ، استباحة أعراض، تزييف، استدراج، أسلحة).

الخطاب الخبريّ السّلبيّ تجاه الأجانب يشجِّع على خلق مناخات مواتية لتوسيع دائرة الخطابات السلبيّة تجاه اللّاجئين في المجتمعات المُضيفة، وبخاصّة في وسائل التّواصل الاجتماعيّ التي يسهل فيها تمرير الإشاعات والأخبار المزيّفة.

سوف يقدّم الإعلاميّون والصحافيّون خدمةً كبيرة للّاجئين عند الالتزام باقتراح سياسات تحريريّة لا تسمح بتمثيلٍ سلبيّ للّاجئين والمهجّرين وتنفيذها؛ ذلك أنّ ذلك يُساعد على الحدّ من أثَر الخطابات السلبيّة على حاضر اللّاجئين ومستقبلهم في المجتمعات المُضيفة.

*كاتب وصحافي سوداني / مؤسسة الفكر العربي


أبحاث أخرى
خدماتنا
المال والأعمال
الأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية
إجراء الدراسات والاستبيانات
إعداد الملاحق الصحفية والإصدارات الخاصة
إعداد التقارير: يومية، أسبوعية، شهرية
إصدار مجلة " بث " الشهرية
خدمة جوال " بث" الإخباري
من نحن
|
إتصل بنا
|
أعلن معنا
|
الإشتراكات
|
الانتاج التلفزيوني ، وانتاج المحتوى

Copyright © 2013 - 2015 Beth All Rights Reserved

This website was Designed & Developed by: exotox.com

ترخيص : و ب 1618 وزارة الإعلام – المملكة العربية السعودية