أول وكالة أنباء خاصة تنطلق بترخيص من وزارة الثقافة والاعلام بالمملكة العربية السعودية ...
NEWS AGENCY
وكـــالة بـــث للأنبـــــاء
تقارير و تحقيقات
أبحاث و دراسات
حوارات
معرض الصور
كيف نردّ عنّا خطر هذا الزَّمن
Apr 24, 2018 at Macca 17:26
   
طباعة
    Save on Facebook

د. رفيف رضا صيداوي*

لم يتوقّف سيل الإصدارات،منذدخولنا الألفيّة الثالثة،من كُتبٍ ودراساتٍ وأبحاث،عن نقْد الوضع العامّ للعالَم وتشريحه،لدرجة يبدو معها هذا العالَم وكأنّه في منعطفٍ خطيرٍمن حيث حجم التحوّلات التي تجري،والتي لا تقلّ شأناً عمّا شهده هذا العالَم نفسه من تحوّلاتٍ على الصعد الجيو- سياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والاجتماعيّة والثقافيّة، بُعيد الاكتشافات الجغرافيّة التي أسهمت في نشوء النّظام الرأسماليّ وتحوّله لاحقاً إلى اقتصادٍ عالميّ، وأبرزها اكتشاف كريستوف كولومبوس في أواخر القرن الخامس عشر الميلاديّ القارّة الأميركيّة، وبلوغ فاسكو دي غاما الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح في العام 1498، ثمّ دَوران ماجلان حول الكرة الأرضيّة (1519-1522).

فإذا ما طالَعنا النّذير من تلك الإصدارات، ولاسيّما الكُتب، التي تتناول أحوال هذا العالَم الرّاهن، للفَتَنا بدايةً تلك الأوصاف “عالَم مجنون، عالَم متفلِّت- عالَم الفوضى- تهافت العالَم…إلخ” التي تشي بعدم الرضا؛ وسرعان ما يتبيّن لنا أنّ ثمّة ضياعاً أو قلقاً حول مصيره. فيسأل عالِم الاجتماع الفرنسي إدغار مورانEdgar Morin “إلى أين يَسير العالَم ?Où va le monde"، ويتساءل الروائي الفرنسي من أصل لبناني أمين معلوف ما إذا كانت البشريّة قد فقدت “ضميرها الأخلاقي بحيث لم تعُد قادرة، وبالشكل المُناسب، على مُواجهة مختلف المشكلات التي تدمّرها وتهدّد وجودها على هذه الأرض؟” وذلك في كتابه “اختلال العالَمLe dérèglement du monde 2010”.

أمّا إذا ما تتبّعنا عناوين كِتاب “أوضاع العالَم” منذ العام 2009 وحتّى اليوم، والذي تُصدره دار نشر لاديكوفيرت الفرنسيّة سنويّاً، وتتولّى مؤسّسة الفكر العربي” نقله إلى اللّغة العربيّة، فيتبيَّن أنّ علامات القلق على مصير العالَم ومُحاولات فهْمه وفهْم ما يجري فيه وتوصيفه يختصر ما تعيشه البشريّة اليوم.
• أوضاع العالَم 2009: 50 فكرة رئيسة لفهم آخر تطوّرات العالَم
• أوضاع العالَم 2010 : المُنعطف الكبير
• أوضاع العالَم 2011: 50 فكرة رئيسة للفَهم- نهاية العالَم الأحاديّ
• أوضاع العالَم 2012: لاعبون جُدد.. وواقع جديد
• أوضاع العالَم 2013 : حقائق القادة والأسباب الحقيقيّة للتوتّرات في العالَم
• أوضاع العالَم 2014 : جَبابِرة الأمس والغد
• أوضاع العالَم 2015 : الحروب الجديدة
• أوضاع العالَم 2016 :عالَم اللّامساواة
• أوضاع العالَم 2017 : مَن يحكُم العالَم
• أوضاع العالَم 2018: بحثاً عن بدائل

إنّه بحسب زيجمونت باومانZygmunt Bauman ، في كِتابه “الحداثة السائلة Liquid Modernity” (الصّادر بطبعته العربيّة عن الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر2017)، “عالَم التعرّض للخطر والعُرضة للمَخاطر"، حيث إنّ “فقدان الاستقرار، والضُّعف والهوان هي أبرز سمات الحياة المُعاصِرة (…) فالمنظّرون الفرنسيّون يتحدّثون عن فقدان الاستقرار Précarité، والألمان عن عدم الأمان Unsicherheit، ومُجتمَع المَخاطِرRisikogesellschaft، والإيطاليّون عن اللّايقين Incertezza، والإنكليز عن انعدام الأمانInsecurity، لكنّهم جميعاً يدركون الجانب نفسه التي يتّسم به المأزق الإنساني، ويُعانيه البشر في صُور متنوّعة وبأسماء مُختلفة في أنحاء الكرة الأرضيّة كافّة”. إنّها- والكلام لباومان أيضاً – “حالة من اللّايقين تَجمع بين الإحساس بالجهل (استحالة معرفة ما سيحدث) والعجز (استحالة منْع ما سيحدث)، والإحساس بالخوف الذي ينبثّ في النفوس من دون أن نستطيع إدراكه ولا تحديده ولا وصفه”.

هذه المَشاعِر الطاغية في كلّ بلد من بلدان هذا العالَم، كبيراً كان أم صغيراً، متقدّماً أم نامياً، غنّياً أم فقيراً، غربيّاً أم شرقيّاً…ناجمة بالطّبع عن التغيّرات الهيكليّة العميقة التي طاولت العالَم في العقود الثلاثة الأخيرة على وجه التحديد. فالثورة التي باتت توصف بالثورة الرّابعة، بسبب ما حقّقت البشريّة من إنجازات على المستوى التقني والتكنولوجي والاتّصالي، أسهمت من جملة إسهاماتها، في تغيير المعايير والنّماذج والمُمارسات المألوفة وفي قَولبتِها. والأهمّ من ذلك بحسب باومان “أنّنا، بعكس أسلافنا، نفتقر إلى صورة واضحة لِوِجْهَةٍ نبدو أنّنا نتوجّه إليها ونقصدها(…) وننشغل بأحدث الكوارث التي تلمّ بنا، فنجرّب ونتحسَّس طريقنا في الظلام”.

الأوضاع المتغيّرة للعالَم هي التي حدت أيضاً بالمفكّر والمؤرِّخ البريطاني إيريك هوبزباومEric Hobsbawm، في كتابه “العَولمة والديمقراطيّة والإرهاب Globalisation, Democracy And Terrorism “(الصّادر بطبعته العربيّة عن الدار العربيّة للعلوم ناشرون2007) إلى القول: “في منتصف القرن الماضي عبرنا مرحلة جديدة من تاريخ العالَم خُتِمت بها حقبة من التاريخ كما عرفناه خلال عشرة آلاف سنة مضت، أو قلْ إن شئت: منذ ابتداع فنّ الزراعة القارّة..لقد بتنا لا ندري إلى أين نحن ماضون”.

يتخبّط العالَم إذن في تحوّلاته البيئيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والعسكريّة والفكريّة والثقافيّة: من التلوّث إلى تغيّر مفهوم الدّولة وافتقادها الشرعيّة واحتكار القوّة، والزيادة المطّردة عالميّاً في الارتباط القائِم بين العمليّات الاقتصاديّة، وهَيمنة الشركات العالميّة على الأنشطة الاقتصاديّة المولِّدة للقيمة، وتزامنها مع عَولَمة التبادلات والسيطرة المتزايدة للرأسمال المالي العالَمي، فضلاً عن التعَولُم الأوسع للقيَم والأمزجة والأذواق والمُمارسات الاجتماعيّة وغيرها، وصولاً إلى تغيّر مفهوم الحرب والسّلم والأمن، ومعاني الهويّة وغيرها. هذا فضلاً عن الظواهر الاجتماعيّة العالميّة الأخرى كالإرهاب، والبطالة، والفقر، واللّامساواة، والاندفاع الهويّاتي والحروب الداخليّة وغيرها، ناهيك بتزايد منسوب العنف الذي أضحى أبرز سمة من سمات هذا العصر، حيث يصف مؤرِّخ الأفكار الفرنسيّ فرنسوا كوسّيه François Cusset عالَم اليوم بأنّه متفلِّت و"مُستعرّ" déchaîné، وذلك في كتابه الصادر مؤخّراً عن دار لاديكوفيرت الفرنسيّة بعنوان “تفلُّت العالَم: المنطق الجديد للعُنف” Le déchaînement du monde:Logique nouvelle de la violence، مُعتبراً أنّ العنف لم يتراجَع كما يعتقد البعض، بل غيَّر أشكاله ومنطقه، وربّما أنّه بات مرئيّاً أقلّ من ذي قبل، مع أنّه أكثر ثباتاً. فقد انتقلنا برأيه من العبوديّة إلى الإرهاق، ومن النفي إلى التجوّل المُزمن، من التضارب بين طلّاب الجامعات إلى الإهانات المُتبادَلة على شبكات التواصل الاجتماعيّ، من نهب المُستعمرات إلى القوانين التي تُصادِر الفئات الأكثر فقراً؛ في حين تعاظمت حدّة القمع الجنسيّ والتدمير الإيكولوجي. وبدلاً من أن يتوقّف العنف، أصبح محظوراً من أجل تهدئة المجتمعات بطريقة بوليسيّة من جهة، ومُمَنهَجة من جهة ثانية، وصولاً إلى ذاتيّتنا ومؤسّساتنا، سواء من خلال مَنطِق المُحسابة، أم من خلال ديناميّته “التضحويّة القربانيّة"sacrificielle، والحرب المُنمذجَة، والتنافس العامّ، والصّور الجديدة، إلى حدّ أنّنا شديدو الحساسيّة حيال العنف على صعيد العلاقات الشخصيّة وغير مُبالين حيال العنف المُمارَس على كتل أو أعدادٍ كبيرة. ففي ظلّ الكارثة النيوليبراليّة، فإنّ كذبة الوفر وتنشيط قوانا الحياتيّة جعلا منّا متوحشّين من نَوعٍ جديد، أي جعلا منّا أناساً مُحبطين ومُتحفِّزين للغضب، وليس مواطنين دمثين أو لطفاء مثلما أرادت لنا الحضارة أن نكون.

هذه التحوّلات طاولت بدَورها ديناميّات علاقة الأفراد بالزّمن. فلئن مثّل “التقدّم"، بمعنى- انفتاح أفق التوقّع- “الشرط الأوّل لمفهوم الأزمنة الحديثة بوصفها أزمنة جديدة (…).[حيث] يُمكننا في هذا الصدد، الكلام على تزمين(Temporalisation) تجربة التاريخ كعمليّة تحسين ثابتة ومُتزايدة” (بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان 2007 Paul Ricoeur,La mémoire, l’histoire, l’oubli)، يتمّ من خلالها القبض على الأزمنة الجديدة من خلال الابتعاد المتزايد للتوقّعات عن كلّ التجارب القائمة لغاية الآن، فإنّ التّسارع، والكلام لريكور، هو “المؤشّر الأكيد على أنّ هذا التباعد لا يبقى على حاله إلّا بالتعديلات التي تطرأ عليه بصورة مستمرّة. فالتّسارع هو تصنيف جديد (Métacatégorie) للإيقاعات الزمنيّة، يربط التحسين بتقصير الفواصل أو المسافات بين هذه الإيقاعات”. لكنّ الحاصل أنّ اصطفاف الزمنيّات (temporalités)، بإيقاعاتها المختلفة، راح يولّد شعوراً بانفلات الزّمن منّا وبضغط الوقت وضيقه، على الرّغم من كلّ التسهيلات التي وفّرها التطوّر الحضاري. وهي نظريّة فيلسوف الزّمن، الألماني هارتموت روزا Rosa Hartmut. في حين ركّزت الباحثة الفرنسيّة نيكول أوبير Nicole Aubert (في كتابها الصادر في العام 2003 بعنوان: Le culte de l’urgence. La société malade du temps) على سمتَيْن أساسيّتيْن للزّمن الرّاهن هُما “عنفه” و"ديكتاتوريّته"، كسمتَيْن أفضتا إلى سيادة مظاهر الطوارئ، والآنيّة، والفوريّة في المؤسّسة والمجتمع؛ ففي مُجتمعاتنا الرّاهنة، تقول أوبير، وفي سياق السباق القائم على الفتح والامتلاك، “أصبح الطارئ أو الملحّ، الذي يحيل إلى زمن اجتماعي مُختلّ، يضغطنا أو يضغط علينا من أجل التصرّف بسرعة أكبر بغية الاستفادة أكثر؛ وغدا هذا الطارئ أو الملحّ يشكّل [ما أسمته أوبير- نقلاً عن Zaki Laïdi] عنف الزّمن؛ بحيث أضحت لهذا الزَّمن الأسبقيّة على الإنسان، فيما نحاول نحن أكثر من أيّ وقت مضى الإمساك به أو كبحه”. فتقوم سيادة هذا “الطارئ أو الملحّ” برأيها في إطار “سَيلٍ من التوتّر المُعمَّم"، “ينطبق على الطريقة التي يغدو فيها الأفراد مُجبرين على إدارة وقتهم في سياقٍ يُفترَض فيه، ومن دون انقطاع، الاهتمام بما هو الأكثر استعجالاً، وحيث يتغلّب الطارئ أو الملحّ على المهمّ، وزمن التصرّف أو العمل المُباشر على زمن التأمّل”.

عالَم التحوّلات الرّاهن هذا، القابِل على تحوّلات كثيفة وسريعة في آن، هو الذي دفع بمفكّرين كثر إلى التفكّر ببراديغمٍ جديد لفَهمه، وكان عالِم الاجتماع الفرنسيّ آلان تورين Alain Touraine من أبرزهم، حين دعا في كتابه Un nouveau paradigme : pour comprendre le monde d’aujourd’hui الصادر في العام 2005، والصادر بالعربيّة عن المنظّمة العربيّة للترجمة في العام 2011 بعنوان “براديغما جديدة لفَهم عالَم اليوم"، قائلاً: “لقد لبثنا فترة طويلة نتوسّل، في وصفنا وتحليلنا الواقع الاجتماعي، مصطلحات سياسيّة، كالفوضى والنّظام، والسلام والحرب، والسلطة والدولة، والملك والأمّة والجمهوريّة، والشعب والثورة، حتّى إذا تحرَّرت الثورة الصناعيّة والرأسماليّة من قبضة السلطة السياسيّة وظهرتا “قاعدة” للتنظيم الاجتماعي، عَمدنا إلى الاستعاضة عن البراديغما السياسيّة ببراديغما اقتصاديّة واجتماعيّة، بحيث أصبحت الطبقات الاجتماعيّة والثروة، والبرجوازيّة والبروليتاريا، والنقابات والإضرابات، والتناضد الاجتماعي والحراك الاجتماعي، والتفاوتات وإعادة التوزيع، هي مقولاتنا التحليليّة الأكثر تداولاً. أمّا اليوم،(…) فقد باتت هذه المقولات الاجتماعيّة مُبهمة(…)، وبتنا معها بحاجة إلى براديغما جديدة. (..) ولاسيّما أنّ القضايا الثقافيّة بلغت من الأهمّية حدّاً يفرض على الفكر الاجتماعي الانتظام حولها”.
لا شكّ أنّ اختلالات العالَم في المنعطف الزمنيّ الرّاهن تختلف مظاهرها ومستويات تأثيرها ومفاعيلها في ما بين القارّات والمناطق والدول، بما في ذلك الدول النامية والدول العربيّة تحديداً، على اعتبار أنّنا لسنا المركز الفاعِل في الثورة الرّابعة، لكنّ ارتدادات هذه الثورة التي طاولت العالَم بأسره، تحتِّم التفكّر ببراديغم جديد. وهو الأمر الذي بادرت “مؤسّسة الفكر العربيّ” إلى إثارته عبر كِتاب “أفق” الخاصّ الذي سيصدر عنها قريباً.

*مؤسّسة الفكر العربي


أبحاث أخرى
خدماتنا
المال والأعمال
الأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية
إجراء الدراسات والاستبيانات
إعداد الملاحق الصحفية والإصدارات الخاصة
إعداد التقارير: يومية، أسبوعية، شهرية
إصدار مجلة " بث " الشهرية
خدمة جوال " بث" الإخباري
من نحن
|
إتصل بنا
|
أعلن معنا
|
الإشتراكات
|
الانتاج التلفزيوني ، وانتاج المحتوى

Copyright © 2013 - 2015 Beth All Rights Reserved

This website was Designed & Developed by: exotox.com

ترخيص : و ب 1618 وزارة الثقافة والإعلام – المملكة العربية السعودية