منذ أن تفجرت أزمة الرهون العقارية فى الولايات المتحده الأمريكية وتبعتها أزمة الائتمان وإنتشارهما في سائر أنحاء العالم الأخرى ,, أخذت النداءات تتعالى بضرورة إصلاح النظام المالي الدولي الحالي, فيما يبقى السؤال المطروح: هل العالم بات مستعدا حقا لاقامة نظام مالى جديد..
فى محاوله للاجابة على هذا التساؤل يقول هنري ليو المعلق الاقتصادي الأمريكي ذى الأصل الصيني “ إن شتاء 2008 - 2009 سيثبت أنه سيكون شتاء قارصا للاقتصادي العالمي"مدحضا رؤى الاقتصاديين الليبراليين الجدد الذين “أضلوا أنفسهم باعتقاد أن الرخاء الخاطئ المبني على الديون من الممكن إستدامته مع إطلاق العنانللاقتصاد النقدي”.
ودعا ليو إلى إيجاد نظام مالي دولي جديد يقوم على نسخة محدثة تناسب القرن الـ21 من خطة الاقتصادي البريطاني كينز التي إقترحها في بريتون وودز عام 1944 , محددا ثلاثة أهداف رئيسية لهذا النظام المالي الدولي الجديد تتمثل فى (خلق نظام نقدي عالمي جديد يعمل بدون هيمنة عملة من العملات / علاقات تجارية عالمية تدعم التنمية المحلية بدلا من أن تعوقها/ بيئة إقتصادية عالمية تقدم حوافز لكل دولة لتعزيز التوظيف الكامل لقوتها العاملة ورفع أجورها).
وإرتأى ليو أن هذا الاقتراح يمثل مخططا ورديا, غير أن العالم فى الواقع لم يستجمع بعد من الديناميات مايكفي لاعادة بناء نظام مالي جديد.
**وأوضح أنه بالنسبة للولايات المتحدة فتبدو تدافع فقط عن مصالحها الذاتية, وفى الوقت الذى تلقى فيه جميع الدول الأخرى مسئولية العاصفة المالية على إخفاق نظام رأسمالية السوق الحرة في الولايات المتحدة فإن الرئيس الأمريكي المنصرف جورج ظل يتخذ موقفا ثابتا ضد التشكك في أساسيات “الرأسمالية الديمقراطية"، وضد الافراط فى التنظيم , داعيا الى ضرورة الحفاظ على أسس الرأسمالية الديمقراطية معتبرا أن مبادئ السوق الحرة تمهد الطرق الأكيدة والمضمونه لاستدامة الرخاء , وإن إعترف بالحاجة الى تحديث صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المؤسستين الماليتين الرئيسيتين اللتين تأسستا فى بريتون وودز عام 1944.
ولفت ليو في صحيفة (آشيان تايمز) الى أن البيان المشترك الصادر عن قمة مجموعة العشرين التى عقدت فى واشنطن 15 الجارى لم يتضمن أى ذكر لايجاد آلية لسوق مالية عالمية كما طالبت بعض الدول الأوربية والدول الصاعدة, وذلك ببساطة لأن الولايات المتحدة عارضت الفكرة.. وبالنسبة للمطالبة بانهاء هيمنة الدولار كعملة عالمية وحيدة أعربت اليابان الحليف المقرب من الولايات المتحدة خلال القمة عن
تأييدها لوجود نظام يرتكز على الدولار الأمريكى !! مشددة على أن إستمرار الدولار - عملة أكبر بلد مدين فى العالم- كعملة رئيسية يشكل بحد ذاته عامل إستقرار!!
**وبالنسبه للاتحاد الأوروبي فيبدو يدفع بجد من أجل إصلاح النظام المالي العالمي ,فحسبما يقول ليو : في ظل الأزمة المالية العالمية دعا رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون الى إعادة تشكيل صندوق النقد الدولي وإقامة نظام تحذير مبكر للاقتصاد العالمي, كما دعا السلطات الوطنية الى تأسيس 30 مؤسسة رقابية تتعاون في تنظيم المؤسسات المالية الكبرى العابرة للحدود.
وأثار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أيضا قضية تأسيس نظام نقدي عالمي في المستقبل في خطوة رأى بعض المحللين أنها بمثابة تحد للسيطرة طويلة الأمد التي تمتع بها الدولار الأمريكي.
وإقترح الزعماء الأوربيون وضع حد أقصى مدته 100 يوم لصياغة تحديث للنظام المالي , وطالبوا بفرض لوائح أكثر صرامة على صناديق التحوط ووضع قواعد جديدة لشركات تقدير الجدارة الائتمانية ووضع حدود لما يتقاضاه كبار التنفيذيين.
**أما الاقتصادات الصاعدة فتبدو معنية أكثر بمزيد من الصوت والتمثيل , حيث إتفق وزراء مالية ورؤساء البنوك المركزية لدول مجموعة ال 20 على دفع دور الأسواق الصاعدة في المفاوضات حول إصلاح النظام المالي العالمي.
وذكرت البرازيل وروسيا والهند والصين ودول نامية أخرى أن النظام المالي العالمي الذي صاغته الدول الثرية في أربعينيات القرن المنقضي أخفق في الحيلولة دون وقوع أزمات اقتصادية وأيدوا فكرتهم بضرورة حصولهم على دور أكبر في صياغة نظام عالمى جديد .
وخلال قمة مجموعة الـ20 في واشنطن حث الرئيس الصيني هو جين تاو المجتمع الدولي على التعلم بمنتهى الجدية من دروس الأزمة المالية الحالية والتعهد بإجراء الاصلاح الضروري للنظام المالي الدولي من خلال المشاورات الشاملة بين الأطراف المعنية.
وقال “ إن إصلاح النظام المالي الدولي يتعين أن يهدف الى تأسيس ترتيب مالي دولي جديد يكون عادلا وشاملا ومنظما،وتعزيز البيئة المؤسساتية التي تؤدي الى تنمية إقتصادية عالمية صحية “داعيا الى إجراء الاصلاح بشكل شامل ومتوازن ويفضي الى
النمو ويثمر عن نتيجة.
وحث الرئيس البرازيلي لويز اناسيو لولا دا سيلفا على أن يكون للدول النامية صوت أعلى وتمثيل أكبر في المنظمات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
ودعا رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينج الى عمل تغييرات يحتاج اليها البناء المالي العالمي للحيلولة دون تكرار وقوع مثل هذه الأزمةالمالية العالمية.
وخلص الخبير الاقتصادى هنرى ليو الى القول: في وقت توشك فيه العاصفة المالية على جر أكبر القوى الصناعية الى الكساد، يتفق الجميع على أن الاقتصادات الصاعدة إكتسبت هيمنة غير مسبوقة على الصعيد العالمي, حتى أنهم يعتقدون جزما أن طريق تعافي الاقتصادات الغربية يمر من خلال الاقتصادات الصاعدة.

